عبد الله بن محمد البطليوسي

546

الإقتضاب في شرح أدب الكتاب

وكان أبو حاتم يقول : هي الزّبّى مقصورة ، ويجعلها تأنيث زبّان ، مثل : سكران وسكرى . وقال غيره : إنما هي الزّباء بالمد تأنيث الأزب ، والصّرفان فيه ثلاثة أقوال : قيل : هو الرصاص . وقيل : هو الموت ، لأنه انصراف عن الحياة . وقيل : هو نوع من التمر رزين . ذكر ذلك أبو حنيفة « 1 » . وروى الكوفيون مشيها بالرفع والنصب والخفض ، قالوا : فمن رفع أراد : [ 358 ] ما للجمال وئيدا مشيها ، فقدم الفاعل ضرورة . ومن نصب فعلى المصدر لفعل مضمر ، أراد : تمشي مشيها . ومن خفض فعلى البدل من الجمال . والبصريون لا يجيزون تقدم الفاعل قبل الفعل في اضطرار « 2 » ولا غيره . قال أبو علي الفارسي : من روى مشيها بالرفع ، أبدله من الضمير في قولها للجمال المرفوع ؛ قال : وإن شئت جعلته مبتدأ ، ووئيدا : منتصب به وفي صلته . والخبر مضمر ، والجملة في موضع نصب . قال : ويجوز أن يكون وئيدا حالا تسد مسد الخبر . وهذه حال غريبة في الأحوال السّادة مسد الأخبار ، لأن النحويين يقدرون الحال السّادة مسد الخبر بإذ وإذا ، ويضمرون معهما كان التامة ، لتكون عاملة في الحال ، فإذا قلت : ضربي زيدا قائما ، فتقديره عندهم : إذا كان قائما ، وإذ كان قائما ، لأن الحال إنما جاز أن تسد في هذا الموضع مسد الخبر ، لأنها نابت مناب ظرف الزمان المحذوف ، ولذلك لم يجز أن تسد مسد خبر المبتدأ إلا إذا كان المبتدأ مصدرا ، أو في تأويل المصدر ، كما أن الزمان لا يكون خبرا إلا عن المصدر ، وما سد مسده ، ولا يجوز تقدير ذلك في بيت الزباء ، ألا ترى أنك إن قلت : ما للجمال مشيها إذ كانت وئيدا وإذا كانت وئيدا ، كان ذلك خطأ ، لأن الزباء إنما قالت هذا القول في حال تشاهدها ، ولم تقل ذلك في شيء ماض ولا مستقبل ، فلا يصح دخول كان هاهنا ، ولا « إذ » و « إذا » ، ومع ذلك فإن وئيدا على هذا التقدير لا يجوز أن يكون حالا إلا على بعد من التأويل ، فلأجل هذا الذي قلناه صار كثير من النحويين ينكر قول أبي علي هذا ويرده ، لمخالفته المعهود من أمر الأحوال السادة مسد الأخبار . وتلخيص قول أبي علي رحمه اللّه : أن يكون التقدير : مشيها حين أراها ذات وئيد ، فيضمر الخبر ، لأنه يقع على كل وقت ؛ ماض وحاضر ومستقبل ، ويجعل أراها المضمر فعل حال ، ويحذف « ذات » ويقيم « الوئيد » مقامها .

--> ( 1 ) في اللسان ( صرف ) 9 / 193 : ( وقال أبو حنيفة : الصّرفانة : تمرة حمراء مثل البرنية ؛ إلا أنها صلبة المضغة علكة ، قال : وهي أرزن التمر كله ) . ( 2 ) سقط من « ط » : ( في اضطرار ) .